الشيخ محمد هادي معرفة

96

تلخيص التمهيد

وكان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ والقصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئين المتكلّفين ، وكان الأُسلوب هو الذي أشال بهؤلاء وأطاح بهؤلاء ! قال أبو عثمان الجاحظ : أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنّه أُفرغ إفراغاً واحداً ، وسبك سبكاً واحداً ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان . قال ابن رشيق : وإذا كان الكلام على هذا الأُسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سمعه ، وخفّ محتمله ، وقرب فهمه ، وعذب النطق به ، وحلى في فم سامعه . فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه ، وثقل على اللسان النطق به ، ومجّته المسامع فلم يستقرّ فيها منه شيء « 1 » . وأمّا الدليل الذي أقاموه من أن القادر على الأبعاض قادر على الجملة فقد أجاب عنه التفتازاني بأنّ حكم الجملة يخالف حكم الأجزاء ، ولو صحّ ما ذكر لكان كلّ من آحاد العرب قادراً على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه . وأمّا تردّد الصحابة في بعض الآيات والسوَر فلعلّه كان لرعاية الاحتياط والاحتراز عن أدنى ملابسة . على أنّ الإعجاز في جميع مراتبه وفى جميع الآيات ليس ممّا يظهر لكلّ أحد على سواء « 2 » . وقول السيّد : « لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين » « 3 » . هذا إذا كان التحدّي ناظراً إلى جانب النظم والأُسلوب فحسب . أمّا إذا كانت فضيلة الكلام هي الملحوظة في هذه المباراة والمقصودة من تلك المباهاة فهذا ممّا لا يفترق فيه بين منظوم الكلام ومنثوره ، شعره وخطبه ، في أيّ صيغة بني عليها الكلام أو رصفت حروفه وكلماته ، ما دامت العبرة بجودة التعبير وحسن الأداء ، هذا ، ولا سيّما قد أُطلق التحدّي في القرآن إطلاقاً : لو يأتوا بحديث مثله . . . أي في شرف الكلام وفضيلته ، شعراً منظوماً أو كلاماً منثوراً ، أيّاً كان نمطه إذا كان يماثله في الأُبّهة والبهاء . ومع ذلك فقد كلّت قرائحهم أن يقابلوه وضنّت أذهانهم أن يعارضوه لمّا رأوه فوق مستواهم السحيق ، فقصرت الأيدي أن

--> ( 1 ) . العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 257 . ( 2 ) . شرح المقاصد : ج 2 ص 184 . ( 3 ) . راجع التمهيد : ج 4 ص 155 - 156 .